ميثاق حركة “حماس” (1988): وثيقة أساسية ذات طابع لا سامي ومناوئ للغرب بصورة فظة وتصور إسلامي راديكالي. يؤكد الميثاق على الالتزام الأيديولوجي لحركة “حماس” بالقضاء على دولة إسرائيل بواسطة استراتيجية العنف على المدى الطويل .



الصفحة الأولى للكراسة التي تتضمن ميثاق “حماس”. وقد صدرت الكراسة عن حركة “حماس” في قلقيلية عام 2004. وتظهر على الصفحة الأولى صورة الشيخ أحمد ياسين، مصمم ومبلور نص الميثاق.

تحليل ميثاق “حماس” 

1) يُعتبر ميثاق “حماس” أهم مستند للحركة يتضمن الأيديولوجية لحركة “حماس” كما تمت بلورتها من قبل مؤسسي الحركة. ويعكس الميثاق التصور الإسلامي الراديكالي للحركة، على نهج “الإخوان المسلمين” في مصر، علما أنه لم يطرأ تغيير على الميثاق على مدار 18 عاماً منذ إنشاء حركة “حماس” (1).

وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن الميثاق يعبر عن موقف غير قابل للتسوية، ويعتبر “القضية الفلسطينية” قضية إسلامية، ويعتبر الصراع مع إسرائيل صراعا بين الإسلام وبين اليهود الذين يعتبرون “كفارا” بالنسبة للحركة. ويتعامل الميثاق مع أرض “فلسطين” على أنها وقف إسلامي لا يجوز بأي حال من الأحوال التنازل عن أي شبر منها، ولا توجد أي صلاحية لأي شخص بتقديم أي تنازل (بما في ذلك الحكام العرب والمسلمين). أما على المستوى الدولي، فإن الميثاق يتضمن تصورا إسلاميا راديكاليا ومناوئا للغرب يماثل التصورات الخاصة بتنظيم “القاعدة” وأمثاله.

2) ومن هذا التصور يتم اجتزاء عدم الاعتراف بحق دولة إسرائيل في الوجود كدولة مستقلة وذات سيادة، “الجهاد” بلا تسوية ضدها، والمعارضة التامة لأية اتفاقيات أو ترتيبات مع إسرائيل تعني الاعتراف بحقها في الوجود. ويتضمن مطلع الميثاق قولاً منسوباً لـ حسن البنا، مؤسس “الإخوان المسلمين” في مصر ومن الشخصيات النموذجية في تراث “الشهداء” لحركة “حماس” (2)، حيث يقول حسن البنا: “ستقوم إسرائيل وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل ما قبلها;“.

3) يتسم الميثاق على امتداده بلوثة اللاسامية الفظة والمسمومة، ويمتد بعضها إلى بعض المواريث الإسلامية التاريخية، كما تفسرها “حماس”، وبعضها إلى اللاسامية ذات الجذور الأوروبية “الكلاسيكية”. إن عرض الشعب اليهودي بمنظار سلبي، وتشويه صورة اليهود وإظهارهم كمن يحاولون السيطرة على الشرق الأوسط وعلى العالم بأسره، يهدف في الدرجة الأولى إلى إضفاء الشرعية على الحرب الشعواء ضدهم، كما تُرجم ذلك من خلال إرهاب الانتحاريين الذي طورته “حماس” في سنوات التسعينيات وصار “السلاح” الرائد بأيدي “حماس” خلال المواجهة الحالية.

4) كما ذكرنا سابقاً، يتم تصوير اليهود في الميثاق بصورة سلبية للغاية، وفقا لتفسيرات “حماس”، وكمن “ضُربت عليهم الذلة والمسكنة”، وباؤوا بغضب من الله، وكفروا بالقرآن وقتلوا أنبياءهم، كما ورد ذلك في سورة آل عمران، حيث يُستهل الميثاق بالآيات التي تنعت اليهود بهذه الصفات. وعلى امتداد الميثاق تظهر الأساطير اللاسامية بنمط “بروتوكولات حكماء صهيون” بخصوص سيطرة اليهود على وسائل الإعلام، الأفلام والتعليم. ويكرر الميثاق الأسطورة اللاسامية التي تتهم اليهود بالوقوف من وراء معظم الثورات في العالم، وبضمنها الثورة الفرنسية، الثورة الشيوعية، ومن وراء الحروب العالمية والحروب الإقليمية والمحلية، واتهام اليهود بأن لهم يد في كل حرب. ويسعى الميثاق إلى إضفاء صفة الشيطان على “العدو اليهودي”; الذي يصفه الميثاق بممارسة التصرفات النازية والوحشية ضد النساء والأطفال.

5) يرى الميثاق في “الجهاد” وسيلة في “استعادة فلسطين” من أيدي اليهود والقضاء على دولة إسرائيل، ويرى في النشاط التنفيذي لـ “حماس” كحلقة إضافية في سلسلة العمليات “الجهادية” التي نُفذت ضد إسرائيل خلال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويرى ميثاق “حماس” أن الجهاد من أجل “تحرير فلسطين” هو فرض عين على كل مسلم (وفقاً لنظريات عبدالله عزام، فلسطيني من سيلة الحارثية في قضاء جنين، الذي كان المرشد الروحي لأسامة بن لادن والذي تحوَّل إلى شخصية مثالية لدى “حماس”) (3).

6) يؤكد الميثاق بصورة كبيرة على الحرب على الوعي أو الوعي الإسلامي ضمن ثلاث دوائر أساسية: الجمهور الفلسطيني، الجمهور في الدول العربية والشعوب الإسلامية. يُعرف الميثاق عملية التوعية بأنها مهمة هامة ومركزية للغاية، وتستوجب مشاركة رجال الدين والتربية والتعليم والإعلام وعموم المثقفين.

7) في إطار الحرب على الوعي، يؤكد الميثاق بصورة خاصة على الدعوة إلى الإسلام المتطرف على أساس مدرسة “الإخوان المسلمين”. ويؤكد الميثاق على ضرورة إدخال التغييرات الجذرية على أساليب التربية والتعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال “تطهيرها” من تأثيرات الغزو الفكري الذي اعتراها بسبب المستشرقين والمبشرين وضرورة تربية الجيل المسلم الشاب تربية إسلامية متطرفة مبنية، وفق رأيهم، على القرآن والسنة النبوية فقط. ويتطرق الميثاق إلى وسائل التجنيد الفكرية، مثل الكتاب، المقال، النشر والإعلام، الخطب، الأناشيد والشعر وغيرها، التي يجب أن تكون ذات مضامين إسلامية بحيث تصير وسائل هامة لرفع المعنويات وبناء النفوس استعداداً لـ “معركة التحرير” المستمرة.

8) يؤكد الميثاق على أهمية التكافل الاجتماعي طبقا لرؤية القرآن، خاصة على ضوء المواجهة الدائرة بين المجتمع الفلسطيني وبين “العدو اليهودي” الذي يصفه الميثاق بالأوصاف الشيطانية وينعته بالنازية. ويبرز الميثاق شكلاً من أشكال التكافل الاجتماعي بصورة مساعدة المحتاجين (أقامت “حماس” بنية تحتية واسعة من “لجان الزكاة” خلال سنوات عملها، وهي تدمج ما بين النشاط الاجتماعي ومساعدة الإرهاب).

9) يبرز الميثاق الفارق الأيديولوجي بين حركة “حماس” ذات التصور الإسلامي وبين منظمة التحرير الفلسطينية (و”فتح”)، ويدفع الميثاق الضريبة الكلامية من أجل توحيد الصفوف ضد “العدو اليهودي”. ويشير الميثاق إلى أن التصور الإسلامي يناقض تماما التفكير العلماني في منظمة التحرير الفلسطينية وفكرة إقامة الدولة الفلسطينية العلمانية التي تتبناها منظمة التحرير الفلسطينية. على الرغم من هذا، فإن ميثاق “حماس” يشير إلى أن “حماس” مستعدة للمساعدة ودعم جميع “التيارات الوطنية” التي تعمل من أجل “تحرير فلسطين” وأنها غير معنية بالانقسامات والتشرذم (4).


عبد العزيز الرنتيسي، وريث الشيخ أحمد ياسين في قيادة حركة “حماس”، الذي قامت إسرائيل بتصفيته. تظهر هذه الصورة للرنتيسي على الصفحة الأخيرة من كراسة الميثاق. ويُرى الرنتيسي الذي كان يوصف بأنه شخصية سياسية وإعلامية، وهو يحمل السلاح ومن حوله الملثمون. وتظهر في أسفل الصورة الجملة: “يا رب خذ من دمائنا حتى ترضى“، سعيا نحو تشجيع حالة التضحية بالنفس، أي العمليات الإرهابية.

مقارنة بين ميثاق “حماس” وبرنامجها الانتخابي

10) إن المقارنة ما بين ميثاق “حماس” وبرنامجها الانتخابي الذي تمت بلورته عشية الانتخابات لـ “المجلس التشريعي” (3 كانون الثاني 2006)، تظهر أن “حماس” لم تقم بإخفاء أو تمويه التزاماتها بالمبادئ الأساسية الواردة في الميثاق. كما هو الحال في الميثاق، وكما صرح قادة “حماس” خلال الحملة الانتخابية، جرى التأكيد مجددا على المواقف الإسلامية المتطرفة لحركة “حماس” والتزامها بـ “المقاومة” (أي الإرهاب)، وهو ما يشهد على دوام صلة ميثاق “حماس” بالفترة التي نعيشها.  

11) على الرغم من هذا، يوجد فرق بين الوثيقتين، خاصة فيما يتعلق بالتأكيدات وحجم التعاطي مع القضايا المختلفة. إن ميثاق “حماس” يتعامل بالأساس مع القضايا الأيديولوجية الأساسية، وفي المقابل، يؤكد البرنامج الانتخابي على سعي “حماس” إلى إحداث الإصلاحات المدنية في جملة من القضايا، مثل مكافحة الفساد، البطالة، مكانة المرأة، الحقوق السياسية وما شابه، تحت شعار “التغيير والاصلاح”، وهو الاسم الذي اختارته “حماس” لقائمتها الانتخابية.  

___________________

1. البرنامج الانتخابي لـ “حماس” الذي نُشر عشية الانتخابات لـ “المجلس التشريعي” مبني على المواقف الأساسية الواردة في الميثاق، مع بعض المواءمات فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية الداخلية (مع التأكيد بصورة كبيرة على موضوع الحاجة إلى الإصلاحات الداخلية). راجع نشرة المعلومات الصادرة عن “مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب”، بعنوان: “أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، 1- 15 كانون الثاني 2006”.

2. كمن قتل بأيدي قوات الأمن المصرية في عام 1949.

3. راجع نشرة المعلومات الصادرة عن “مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب”: ” من هو الدكتور عبد الله عزام والذي تتسمى بإسمه عناصر القاعدة التي تبنت المسؤولية عن إطلاق صواريخ الكاتيوشا بإتجاه العقبة؟ (23 آب، 2005). صدر الكتاب الأيديولوجي للدكتور عبد الله عزام “الدفاع عن أراضي المسلمين- أهم فروض الأعيان” في العام 1984، ويمكننا الافتراض أن مضامين الكتاب أثرت على ميثاق “حماس”.   

4. من الناحية الفعلية، وطيلة سنوات وجودها، رفضت “حماس” الانصياع لقيادة “السلطة الفلسطينية” بقيادة عرفات ومن بعده أبو مازن. وقد انتهجت سياسة إرهابية مستقلة، رفضت نزع سلاحها وعززت مكانتها في الضفة الغربية وقطاع غزة كسلطة فلسطينية بديلة من أجل تسنم الحكم عندما يحين الأوان.